أحمد بن علي القلقشندي
6
صبح الأعشى في صناعة الإنشا
وبغي لا ينجو هاربه ؛ وغدر لا ينتعش صريعه ، وكفران لا يودى ( 1 ) قتيله ؛ وتقف على سوء رويّتك ، وعظم جريرتك ؛ في تركك قبول الأمان إذ هو لك مبذول ، وأنت عليه محمول ؛ وإذ السيف عنك مغمود ، وباب التوبة إليك مفتوح ؛ وتتلهّف والتلهّف غير نافعك إلا أن تكون أجبت إليه مسرعا ، وانقدت إليه منتصحا . وإن مما زاد في ذنوبك عندي ما ورد به كتابك عليّ بعد نفوذي على الفسطاط من التّمويهات والأعاليل ( 2 ) ، والعدات بالأباطيل ، من مصيرك بزعمك إلى إصلاح ما ذكرت أنه فسد عليّ ، حتى ملت إلى الإسكندرية ، فأقمت بها طول هذه المدّة ؛ واستظهارا عليك بالحجّة ، وقطعا لمن عسى أن يتعلَّق به معذرة علم بأن الأناة غير صادّة ، ولا أنّه خالجني شكّ ولا عارضني ريب في أنك إنما أردت النّزوح والاحتيال للهرب ، والنّزوع إلى بعض المواضع التي لعلّ قصدك إيّاها يوديك ( 3 ) ، ولعل مصيرك إليها يكفينيك ؛ ويبلَّغ إليّ أكثر من الإرادة فيك ، لأنك إن شاء اللَّه لا تقصد موضعا إلا تلوتك ، ولا تأتي بلدا إلا قفوتك ؛ ولا تلوذ بعصمة تظنّ أنها تنجيك إلا استعنت باللَّه عز وجلّ في جدّ ( 4 ) حبلها ؛ وفصم عروتها ؛ فإنّ أحدا لا يؤوي مثلك ولا ينصره إلا لأحد أمرين من دين أو دنيا . فأما الدّين فأنت خارج من جملته لمقامك على العقوق ، ومخالفة ربّك وإسخاطه . وأما الدّنيا فما أراه بقي معك من الحطام الذي سرقته وحملت نفسك على الإيثار به ، ما يتهيّأ لك مكاثرتنا بمثله ، مع ما وهب اللَّه لنا من جزيل النعمة التي نستودعه تبارك وتعالى إيّاها ، ونرغب إليه في إنمائها ، إلى ما أنت مقيم عليه من البغي الذي هو صارعك ، والعقوق الذي هو طالبك .
--> ( 1 ) ودى القتيل كوعى : أعطى ديّته . ( 2 ) لم نجد في كتب اللغة هذا الجمع ولا مفرده . ولعلها من « التعلَّة » : ما يتعلَّل به ، أو من العلالة : ما يتلهّى به . وللإمام عليّ كرّم اللَّه وجهه : « أعاليل بأضاليل » . ( 3 ) يوديك : يهلكك . و « لعلّ » هنا بمعنى عسى . ( 4 ) الجدّ : القطع ، وكذلك الفصم .